القرطبي
48
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الخامسة - قوله تعالى : ( إني أعظك أن تكون من الجاهلين ) أي أنهاك عن هذا السؤال ، وأحذرك لئلا تكون ، أو كراهية أن تكون من الجاهلين ، أي الآثمين . ومنه قوله تعالى : " يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا ( 1 ) [ النور : 17 ] أي يحذركم الله وينهاكم . وقيل : المعنى أرفعك أن تكون من الجاهلين . قال ابن العربي : وهذه زيادة من الله وموعظة يرفع بها نوحا عن مقام الجاهلين ، ويعليه بها إلى مقام العلماء والعارفين ، ف ( قال ) نوح : ( رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم ) [ الآية ] ( 2 ) وهذه ذنوب الأنبياء عليهم السلام ، فشكر الله تذلله وتواضعه . ( وإلا تغفر لي ) ما فرط من السؤال . ( وترحمني ) أي بالتوبة . ( أكن من الخاسرين ) أي أعمالا . فقال : " يا نوح اهبط بسلام منا " . قوله تعالى : قيل ينوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ( 48 ) قوله تعالى : ( قيل يا نوح اهبط بسلام منا ) أي قالت [ له ] ( 2 ) الملائكة ، أو قال الله تعالى له : اهبط من السفينة إلى الأرض ، أو من الجبل إلى الأرض ، فقد ابتلعت الماء وجفت . " بسلام منا " أي بسلامة وأمن . وقيل : بتحية . ( وبركات عليك ) أي نعم ثابتة ، مشتق من بروك الجمل وهو ثبوته وإقامته . ومنه البركة لثبوت الماء فيها . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : نوح آدم الأصغر ، فجميع الخلائق الآن من نسله ، ولم يكن معه في السفينة من الرجال والنساء إلا من كان من ذريته ، على قول قتادة وغيره ، حسب ما تقدم ، وفي التنزيل " وجعلنا ذريته هم الباقين " ( 3 ) [ الصافات : 77 ] . ( وعلى أمم ممن معك ) قيل : دخل في هذا كل مؤمن إلى يوم القيامة . ودخل في قوله ( وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ) كل كافر إلى يوم القيامة ، روي ذلك عن محمد بن كعب . والتقدير على هذا : وعلى ذرية أمم ممن معك ، وذرية أمم سنمتعهم . وقيل : " من " للتبعيض ، وتكون لبيان الجنس . " وأمم سنمتعهم " ارتفع و " أمم " على معنى وتكون أمم . قال الأخفش سعيد كما تقول : كلمت زيدا وعمرو جالس . وأجاز الفراء في غير القراءة وأمما ، وتقديره : ونمتع أمما . وأعيدت " على " مع
--> ( 1 ) راجع ج 12 ص 205 . ( 2 ) من ع وو . ( 3 ) راجع ج 15 ص 89 .